الموقع الرئيسي لأهالي تللسقف في أستراليا TELLSKOF - www.tellskof.yoo7.com

جميل فرنسيس زورا قصص الجزء الاول من ( هدوء العاصفة )

اذهب الى الأسفل

جميل فرنسيس زورا قصص الجزء الاول من ( هدوء العاصفة )

مُساهمة من طرف ناظم هرمز كورو في الأربعاء 03 يناير 2018, 7:25 am

مقدمة ..

أن تكون فردا في فصيل الأسود، خيرا لك من أن تكون قائدا للنعاج ... الحياة ... صفحةٌ بيضاء .. نحـــن البشر نمــلأها بالأحــداث والانجـازات والذكريات ، سعيدة كانت ، أم مريرة ... ونرسم فيها بصمتنا ، أفرادا وشعوب .. هناك أحداث كثيرة ..، منها جسيمة خارجة عن طاقات البشر ، كالزلازل والكوارث  البيئية والطبيعية والكونية .. وهناك أحداث صغيرة مـن صنع البشر .. حروبا كانت ، هنا ، أو هناك .. أو انجازات فردية أو جماعية ... ما يهمنا نحن صغار البشر ... أما أن نكون .. أو لا نكون .. نسعى دائما إلى تحقيق ذواتنا ، بأي شكل من الأشكال ..  يقول فكتور هيجو ( عش دائما في وسط الحدث ، والق بنفسك في وسط الحرائق ) .. هناك أناس يجعلون الأشياء تحدث ، وأناس يرقبون الأشياء وهي تحدث ، وأناس لا يعرفون إن شيئا قد حدث ، ومن واجب المثقف أن يسلط الضوء على بقع الظلام المعتمة .. على أوكار خفافيش الليل المختبئة هنا وهناك ، وان يصوغ الخبر، أو الحدث بطريقة أدبية  لائقة ... ثمة أحداث مرت في حياتي ، وحياة بعض المقربين لي ، ومنها عشتها مكرها لأنها فُرِضَت علىّ فرضا ً، لما كانت هناك حربا لا ناقة لي فيها ولا جمل ، مشتعلة بي بلدي ، وبلد جارة ، فكنت كغيري من الناس حطبا في اتونها ، ولكني كنت دائما أدّون ملاحظاتي واكتب مذكراتي لحظة بلحظة .. وبعد سنوات ، ارتأيت أن أحوّل هذه المذكرات إلى قصص قصيرة ، بعد إن أجريت عليها بعض التعديلات من ناحية التعبير واللغة .. ولكنها أحداث حقيقية من الواقع المأساوي المرير .. أتمنى أن تنال استحسان القراء ....

                                             تحياتي ...    







الإهداء ..
إلى ذلك الزاهد في الدنيا
الذي رحل عني .......،
قبل أن يرى باكورة أعمالي ..
لكنه ما زال يراقبني ...
وأنا أخطو ببطء........
فيرتاح ... ويرضى ...
وينام قرير العين ...




جميل فرنسيس
2012


ذكريات في زمن ألحرب

هدوء العاصفة ......
السماء داكنة مكفهرة ... الظلام ينتشر سريعا على هذه السواتر الترابية القذرة ، والمعفرة برائحة البارود والشعواط والاحتراق ...  والليل تقدم نحونا من جهة الشرق ، وبدا الظلام يبتلع كل شيء.....  
ولجتُ إلى داخل ملجأي المحفور في باطن الأرض ، وأشعلت قنينة  التمر والكيروسين  ، كي لا يغمرني الظلام ، فارتفع خيط من الدخان  الاسود ، وتوهج ضوء خافت ، فضح محتويات الملجأ المؤثث بالرصاص ، وشواجير  بندقيتي التي أسميتها (صبيحة) ! ، كونها تلازمني ليل نهار وتعايشني في السراء والضراء ..  وكانت القصعة مركونة قرب فتحة الدخول إلى الملجأ ، وَظهَرَ يطغي ( فراشي )  الذي ما زال مرزوما  بإحكام ، بحبل سميك  ... ، واحمد الله لأني وجدت صفيحة من الجينكو داخل هذا الموضع ، عليها بطانية قميئة ممزقة .... فمن يدري ، ربما كان هذا الملجأ الراقي لآمر الحظيرة أو رئيس عرفاء السرية ، بسبب وجود تلك الصفيحة المثبتة علــى أ كياس الرمل بعناية... فتحت يطغي فوق الصفيحة ، وقبل أن استلقي عليه ، لاحظت شيئاً يدب بسرعة ليتوارى عن ناظري ، فأدركت على الفور من إنها عقربه !... سحبت طرف البطانية بقوة ، فسقطت العقربة على الأرض فسحقتها بكعب بسطالي الثقيل فتحولت إلى أشلاء ...
فتحت جعبة الأرزاق وهي عبارة عن حقيبة من قماش مخملي ، وجدت بداخلها ثلاثة  صمونات (صمون الجيش ) نصف يابسات مع أربعـــــــــة ( رؤوس حربية) من البصل الأبيض مع حبة طماطة (مسحوقة) ! كانت زمزميتي مملوءة بماء شبه ساخن .. ، ولا أمل بالقصعة وقت العشاء في هذه الليلة المضطربة ، وربما حتى نهار الغد ، كوننا استلما هذا القاطع اليوم ، وقبل سويعات قلائل  ... ولأنني  دائما أفضل موضعا انفراديا على الاختلاط بهؤلاء الجنود الثرثارين في فوج المغاوير، الذين أعتبرهم  أسوأ  شريحة في الجيش العراقي ... ، وكنت حال وصولنا لهذه الأرض قد قسّمت  أفراد المفرزة الطبية الذين هم بإمرتي على سرايا الفوج الأربعة ، اضافة لسرية المقر ... إذ كان  العدو الإيراني يعلم باستلامنا نحن المغاوير هذا القاطع .. وكان يتوجس من وجودنا وحذرا جدا منا ، كوننا لقنّاه دروسا بليغة في معارك سابقه ، ولكن بين آونة وأخرى يطلق علينا بعض قذائف مدفع الهاون ( 106) ملم ، لجسّ النبض ومعرفة رد فعلنا وعددنا من قوة النار التي نرد بها ، لكونه أي  العدو الإيراني ،  لا يبعد عنا غير مسافة 500الى600 متر ، ويفصلنا عنه  بعض السواتر الترابية ، وارض مفتوحة ، (حقل ألغام) متنوع ..،  مضادة للأشخاص والدروع والعجلات ، ومشاعل العثرة ... عند التاسعة مساء أصبح  الظلام حالكا كثيفا ، ولأن العدو يختار الليالي الداكنة المعتمة  للهجوم دائما ... ، وفي أثناء ذلك الصمت والسكون ،  سمعنا فجأة صوتا مدويا ملأ الأرجاء ... !،  وبنبرة متناغمة واحدة مدوّية .. كان هناك آلاف من جنود العدو ، محتشدون ، وهم يصيحون (الله أكبر .. خميني رهبر) (الله أكبر.. خميني رهبر) ،  فعّم فيضٌ من الخوف والذعر  بين صفوف جنودنا  الذين بدؤوا يتراكضون وبتهيئة البنادق ومواضع الرمي على السواتر المحصنة بأكياس الرمل ، وكنت اسمع بعض من تعليقات الجنود الخائفين ، عندما يمرقون قرب موضعي ، إذ كان تعداد فوجنا  لا يتجاوز أل ( 350) مقاتل مقابل هؤلاء الآلاف من جنود الأعداء ! .. في هذه الأثناء جاءني مراسل آمر الفوج ، وهو ينادي بأسمى من خارج موضعي ، بأن السيد الآمر يطلبني على الفور..! ، تقدمني المراسل ، وأنا أسير خلفه بتوجس ، و لما حضرت أمام السيد الآمر ، كان بصحبته في الملجأ السيد  المساعد مع آمر سرية المقر ، وكان مرتبكا خائفا من الهجوم المرتقب .. ثم بدأ يملي علي بعض الأوامر ، بخصوص الحيطة والحذر واليقظة والاستعداد الكامل ، وأنا اردد نعم سيدي ..حاضر سيدي ..صار سيدي ، لكنه طلب مني حبوب الإسهال بصفتي مسئول المفرزة الطبية في الفوج ، لأنه منقولا حديثا في وحدتنا ولم يشهد معارك كبيرة في السابق ، وليس لديه خبرة في قيادة المعارك ، فقد أصيب بالإسهال ، وتلك حالة معروفة ، ومشخصة ، في الجبهة ..
ذهبت إلى الموضع ، وفتشت بين عدة الإسعافات على حبوب الإسهال .. ، ويا للمصيبة.... لم أجدها..! ، لأنني كنت  قد نسيتها في الموقع الخلفي ...  !!
ماذا عساي أن أفعل يا ترى أمام جبروت وغضب السيد الآمر ؟ ولكني وجدت بعض من حبوب الفاليوم رقم  2 وهي شبيهة بحبوب الإسهال فوضعتها في كيس صغير وذهبت بها إلى السيد الآمر ، وكان مازال يزعق ويزبد كالطبل الفارغ بحضور أمراء السرايا .. ورئيس عرفاء الوحدة... ، تناول الكيس ، وفتحه ، وابتلع  أربع حبات منه دفعة واحدة مع قدح ماء ، وأومأ لي بطارف سبابته بالانصراف... ، أديت التحية ، وعدت مرتبكا إلى موضعي .. تتقاذفني الهواجس والأفكار ، فأنا لست خائفا من الهجوم المرتقب بقدر ما كنت خائف من افتضاح أمر حبوب الفاليوم التي قدمتها بدلا من  حبوب الإسهال... ! وبعد دقائق قليلة سمعنا دويّ انفجارات عنيفة في ارض العدو .. ، حيث دكت قوتنا الصاروخية تلك الحشود المتجمعة بصواريخ ارض ارض وحولتهم إلى شتات وهباء في أرضهم ، قبل الشروع بالهجوم علينا ، فتكبدوا خسائر كبيرة بالارواح والمعدات .. ،  في صباح اليوم التالي وفي الساعة العاشرة صباحا ، كانت جًًُهام الشؤم قد انقشعت ، ولاحت الشمس من وراء نتف الغيوم الهاربة المندحرة والسماء زرقاء صافية ، فسمعت صوت مراسل الآمر مناديا  يدعوني للمثول أمام سيادته ، وبالسرعة الممكنة !!، فراودتني الهواجس والقلق والخشية مرة أخرى .. ، وقلت في نفسي (جاءك المـــــوت يا تارك الصـــــلاة ) ، ولكني عندما دخلت ملجأ السيد آمر الفوج ، وجدته باشا ضاحكا مرتاحا ،  وهو يتكلم مع آمر الفوج الثاني بجهاز الهاتف ، ولما انتهى من كلامه ، نظر إلي  ، وناولني ظرف مختوم ، وقال (اذهب مع عجلة الأرزاق إلى وحدة الميدان وأحضر لنا ضماد الميدان ووزع لكل مقاتل قطعة ).. ثم أردف بعد صمت قليل .. و قال (أشكرك على الحبوب. . لقد  أ فادتني كثيرا وأنقذتني من الإسهال)...! تناولت منه الظرف وأديت التحية العسكرية ، واستدرت إلى الوراء ،  خرجت من عند الآمر.. وأنا مدرك ومتيقن جدا من انه كان فعلا بحاجة إلى حبوب الفاليوم وليس حبوب الإسهال....
                                شرق البصرة  1987


الواجب الطارئ

كانا قد اتفقا من حيث المبدأ .. وبقي عليهما  التنفيذ .. عندما جثا المساء على بيوت المدينة ، وقد خلا الجو لهما ، وصَفا ، ليمارسا الحُب .. ، كانت قد خرجت لتوّها من الحمام .. وكحّلت عينيها ، وعطرّت جسدها البض بأطيب عطورها وصبغت شفتيها بالأحمر القاني ، ومسحت وجنتيها بنفحة من الوردي المعطر ، ثم اتشحت بثوبها الأحمر، الحريري الشفاف كالزجاج ، حتى أصبحت آية من الحسن والجمال .. لا بل حورية من حوريات البحر ..  وكان هو يومئذ ،  قد عاد للمنزل مبكرا ، واغتسل جيدا .. ، وبعد تناول وجبة عشاء ٍ دسم  ، واحتساء قدح ٍمن الشاي .. ، ثم بعد استراحة قصيرة ، باغتته بعطرها الفواح الذي ملأ الغرفة ، وبجمالها الأخاذ .. ، نهض من كرسيه الوثير ، وجحظت عيناه ، وبدأ يتلمس جسدها ، منبهرا بروعتها وجمالها الفتان ،  وكأنه يراها لأول مرة ..، كيف لا ، وهو الذي أمضى الليالي الطوال من سني عمره في الواجبات والخفارات الليلية بعيدا عن زوجته الشابة  الجميلة ،  خدمة ًللوطن ...! وحين ضمها إلى صدره ،  طبع بعض القبلات على وجنتيها وعنقها الرخامي ، منتشيا ، وهو يستنشق  رحيقها العطر...  ، ولما أراد  أن يلثم شفتيها المكتنزتين بقبلة الحياة ...، رنّ جرس الهاتف فجأة !!  تحرّك مبتعدا عنها ، وهو يضرب  كفا بكف ، وبقدميه ارض الغرفة بقوة ، ورفع السماعة منزعجا .. متوعدا المتصل ، وردّ بصوتٍ عال.ٍ. الو .. الو من المتصل .. من أنت ؟ .. ثم رقت نبرات صوته . . ، حين عرف إن المتصل هو مسئول بارز .. أهلا سيدي .. أهلا أستاذ .. أهلا تفضل أستــــاذ ؟!.... ثم تكلم الأستاذ الكبير ...( اسمع هذا التبليغ .... عليك الحضور فورا إلى المقر ، وان تأخذ معك عشرة من المقاتلين الجيّدين مع كامل أسلحتهم وعتادهم ، وتتوجّه بسرعة إلى النقطة ( ب ) في المواضع الأمامية خارج المدينة ، وان تمارس الخطة الأمنية الليلية بدقة ، لأن المسؤول  الأعلى في طريقه إلى هناك ليرى الخنادق والاستحضارات المعدّة لصد الإنزال الجوي الأمريكي ..مفهوم..؟) ...  مفهوم .. أستاذ ...
انتهى البلاغ ... خرج المقاتل المتفاني مع قوته القتالية ، ونفذوا ما مطلوب منهم ،  وهم يرتعدون من البرد داخل المواضع الترابية الرطبة البعيدة في العراء .. وهم يحتضنون البنادق المتجمدة تحت جنح الظلام  .. لكن المسؤول الكبير لم... ولن يأت أبدا ...!
وظلت هي تنتظر عودته بكامل حلتّها حتى الصباح ...



قلب من حجر

دعوني لمعالجته إلى بيته .. كان وحيدا ممددا على أريكة خشبية قديمة ، تتوسط الغرفة القذرة ..، وهو متدثرا بعدد من الأغطية الصوفية القميئة المتسخة .. كان يصيح ويئن من آلام حادة مبّرحة ،  وألم في صدره نتيجة إصابته بالذبحة الصدرية ... لا أحد يعيش معه في هذه الغرفة المهملة غير قطته الحمراء المخططة ، وهي تسرح وتمرح بين الأسلاب والثياب الرثة الممزقة المرمية على ارض الغرفة الرطبة .. الدبقة ....
عندما رآني مقبلا عليه بصحبة ولده ، بدأ يتفوه ويتمتم  بكلام مبهم أشبه بالهذيان ، لم أفهم منه شيئا ..، إلا إن ولده كان يفهم ما يريد ويخبرني ..... انه كهل تخطى الثمانين من عمره .. ، شاحب الوجه ضئيل الجسم ، داكن الوجه غائر العينين ، وذقنه زاغب ، يداه وأصابعه المتيبستان ،  قذرتان ملطختان ببقايا الطعام وربما بالبراز أيضا .. كان يحاول صدي ،  ومنعي من وضع الكانيولا  في يده ... كانت رائحته نتنه ، رائحة البول  تنبعث من جسمه ومن ملابسه الرثة ، إلا انه هدأ قليلا عندما وبّخه ولده بصوت عال ، فصمت عن الهذيان ...
هو الوحيد الذي بقي على قيد الحياة بعد رحيل زوجته من سنوات عدة ، ومن ثم رحيل  أ قرانه الذين عاصروه في القرية إلى الحياة الأخرى . وظل هو يعيش منقطعا عن العالم الخارجي ، لا يعرف شيئا عن الدنيا ، ولا يزوره أحد من أقاربه ولا يأكل إلا ما يقدم له من وجبات الطعام الرديء ، فيتناوله وتشاركه الطعام قطته الحمراء المدللة ،  فهي تشاركه في كل شيء .. الطعام والألم والإحساس والسرير أيضا ، وهي تموء لموائه وتئن لأنينه ، وغالبا ما تجدها متدثرة معه تحت بطانيته ، تستمد الدفء باطمئنان وهدوء في هذا الشتاء القارص ...
لست أدري لماذا  .. ألهذا يتمنون لنا طول العمر حين نقدم خدمة للناس فيقولون لنا ( الله يطول عمرك ).. ؟  ، ألكي نعيش هكذا في أرذل العمر ، مثل هذا الرجل الذي يكابد المرض والوحدة والإهمال وسوء المعاملة  ، فيما أولاده الأربعة منشغلون عنه في أمور الدنيا وملذاتها متدثرين بين ثنايا أجساد نسائهم البيضاوات الناعسات ، يتدفئون  بدفئهن في الليالي الباردة ، الأفضل له لو كان قد غادر الدنيا مع أقرانه على أن يصل به الحال إلى هذا المآل ، وهو الذي كان فيما مضى من الأيام الخوالي فلاحا مكافحا مقداما هُماما لا يكل من عمل ولا يكف عن الحركة الدؤوب  ، بل كان كل ما يحتاجه و يتمناه يدركه ، يزرع الأرض ويجني غلتها عاما بعد عام ، لا  بل هو الذي شيد هذه الدار التي يسكنها الآن مع احد أبنائه قبل أكثر من خمسين عاما ..، إلا أن كل ما يملكه قد ورثه عنه أولاده من دون عناء ، بل هم أيضا  تطوروا مع تطور الحياة وانشغلوا في أعمال أخرى غير الزراعة ، فمنهم من صار معلما وآخر موظفا حكوميا وأخر صاحب متجر ، أما بناته فقد تزوجن والتحقن بأزواجهن ولم يعاودن زيارته منذ أمد بعيد ، بعد أن تقاسم الأبناء كل شيء وهو ما زال على قيد الحياة ، بل حتى هذه الغرفة القذرة والأريكة القديمة والأسمال التي تحته أصبحت من نصيب أحد أبنائه وسوف يسلمّها حال تسليم الروح .. ! وها هو غريبا وحيدا ينتظر رحمه الله في هذا العالم القاسي .....
عاوَدته بضعة أيام لمعالجته وبدأت صحته تتحسن شيئا فشيئا ، وكفّ عن الهذيان وانقطعت أخباره عني بعدها .. وانشغلت في تدبير أمور حياتي ومشاغلي الكثيرة .. فهو كهل طاعن السن لا يفقه من الدنيا شيئا الآن ، ولا يمكنني تقديم له أفضل من ذلك ، وعلى أولاده أن يعتنوا به .. ، ولكني كنت ألحظ جفاءً وسوء المعاملة من أولاده تجاهه كونه أصبح عبئا ثقيلا عليهم ويشغلهم عن حياتهم الخاصة بل يتمنون موته في اقرب وقت ليتملصوا من مسؤولية رعايته وتكاليف علاجه ..، ولم تجد نفعا نصائحي وإرشاداتي عندما كنت أنصح بضرورة تقدير منزلة الأب واحترامه كونه هو الذي شقي وتعب فيما مضى من اجلهم طوال السنين ...
ومرت الأيام وبضع شهور ولم يستدعوني لمعالجته ولم يحدثني احد من أبنائه عنه حتى عندما أصادفهم في الطريق ، وكان البلد يمر بظروف قاسية وأزمات كثيرة ، إذ كان هذا الشتاء قاسيا ثقيلا علينا بسبب شحة الوقود واستمرار انقطاع الكهرباء وعدم توفر الأمان وابسط شروط الحياة في هذه السنوات العجاف ، بل كان البلد مدمرا محطما ، حتى انه لا يستطيع المرء الانتقال من مدينة إلى أخرى أو من القرية إلى المدينة القريبة للتطبب في مستشفياتها بسبب الأوضاع الأمنية المتردية ،  فكان الناس يموتون بكثرة بسبب تلك الظروف والإهمال ولا يمر أسبوع دون أن يقام مجلس عزاء في القرية ..، وأحيانا مجلسين في آن واحد، لا  بل ثلاثة ،  فالموت دائما حاضر، وتعددت الأسباب والموت واحد ....
وذات يوم فوجئت بخبر وفاته ، إذ كان قد مرض واشتد به المرض ولم يبادر احد من أولاده باستدعاء الطبيب والإنفاق عليه ومعالجته ، فتوفي الرجل وانتقل إلى جوار ربه ، فارتاح وأراح من هذه الدنيا التي أهانته كثيرا وأخذت منه أكثر من ما أعطته .
ذهبت إلى مجلس عزاءه  ، جلست وكنت أراقب الوجوه عن  كثب ، فلاحظت أثار وملامح الندم مرتسمة على وجوه أولاده الأربعة .. كانوا ساهون سارحون في حزن وصمت عميقين ، بعد أن عاودتهم   صحوة الضمير ، كونهم لم يهتموا كما ينبغي  بوالدهم الذي قام بتربيتهم ، وشقي وكد من أجلهم ، وترك لهم كل شيء ، وغادر الدنيا عاريا هكذا ذليلا منبوذا ، ولم يلقى منهم غير العقوق والجفاء ...
مكثت في مجلس العزاء لبعض الوقت ، ثم هممت بالانصراف وحين كنت أصافح احد أولاده لأقدم له العزاء أجهش بالبكاء أمام الجلاس من المعزين محاولا إفهامي بأنه عمل كل ما بوسعه لأجل والده ، وتبرئة نفسه من الذنب والمسؤولية ..، فواسيته بحنو ، وغادرت المكان ، وأنا أقول في نفســـــي ( قلبي على ولدي وقلب ولدي على الحجارة ) ....

                               فبراير 2007





حلـــم بعيـــد المنــال

           كان فقيراً معدماً من عائلة كادحة ، يعيش مع أفراد أسرته الكبيرة  في بيت متواضع قديم .. كانت جميلة مدللة ومغرورة من عائلة صغيرة ميسورة الحال ، تسكن منزلا كبيرا وحديثا ، وهما معاً على مقاعد الدراسة في مدرسة مختلطة منذ سنوات ... لقد كان يهمه أمرها ووجودها كثيراً ، يحبها بصدق ويتابعها بنظراته العميقة التي تشوبها مسحة من الحزن والتمني .. ،  وفي المقابل كانت تبادله نظرات الرضا والعطف والشفقة أحيانا ، والإطمئنان كونها تسأله العون والمساعدة بحكم العلاقة التي تربط أسرتيهما أحياناً أخرى ، وكثيراً ما كان يهب مسرعاً متفانياً لتقديم المستحيل لها ، ولو على حساب جهده وراحته ، كان يتفاخر أمام أقرانه التلاميذ المعجبين بروعتها وجمالها ، ومن كونه الوحيد الذي ينال اهتمام ورضا  التلميذة  الجميلة الأنيقة المدللة ... مرت سنوات عدة ، وأنتقل الاثنان إلى مرحلة دراسية متقدمة  وكان كلما يكبر ، يكبر حلمه معه ، ولا زال يتمناها ، بل ويغار عليها حتى من نسمة هواء عليلة ... وفي ليلة حلم وردية زفوها له !.. كان سعيداً لدرجة لا يمكن وصفها ، أو تخيلها ، متيماً بها ، دخل معها عش الزوجية الساحر ألذي طالما تمناه .. بدأ يخلع عنها إكليلها ومن ثم ثياب عرسها الفاخرة برفق وتأني ، أخذ يقبل أناملها الرقيقة المطلية بدقة بالغة ويقبل  كفيها ويضمها بحنان إلى صدره ويتنهد بشوق ولهفة عارمة ، حتى إذا ما إنتهى من تجريدها من كامل ثيابها ، وغدت مثل حورية من حوريات البحر ، حملها بكلتا يديه لكي يضعها على سرير لويس السادس عشر الملكي ليمارس معها الحب ، وما هي إلاً قبلتين منه على شفتيها الباروديتين وعلى عنقها الناصع البياض ،  حتى دبّـت في الغرفة خربشة الجرذان العابثة بأواني الطبخ المتسخة ببقايا طعام العشاء !! ، فاستيقظ مذعوراً من نومه وتبدد حلمه ، ليجد نفسه قميئاً متكوراً متدثراً ببطانيةٍ متسخة ، غير واضحة المعالم  والألوان لقدمها .. فصاح وهو ما زال في نشوة الحلم .. الله ..الله .. ما أجمل هذا الحلم الذي رأيته ..؟! ثم بدأ يشتم ويلعن الجرذان الوقحة التي بددت عليه حلمه السعيد .. وفي الصباح الباكر كان في إنتظارها ، وكالمعتاد على طريق المدرسة ، وحين إقتربت منه إنبرى لها مستجمعاً كل جرأته وشجاعته ليفاتحها بموضوع حبه ولوعته ، وما يضمره لها من شوق منذ سنوات ، وبدأ يقص عليها الحلم الذي رآه تلك الليلة ، وهي مندهشة من كلامه الغريب وغير المتوقع ، فصاحت بوجهه مستنكرة حديثه ، ناعتة إياه بالمجنون ،  نافرة عنه مبتعدة بخطوات سريعة ، في حين ظل هو واقفاً في مكانه وسط الطريق مصعوقاً من ردة فعلها وجفاءها ، حينها  إنحدرت من عينيه دمعتين حارقتين ، نزلت على خديه ، بعد أن مات الحب في قلبه وتبددت آماله ، ولم يبق من حلمه غير نظرات وعبرات ....





الترمز ..!
                                                        البصرة..  معركة الحصاد الأكبر
انتهت اليوم إجازتي الدورية ..... عندما حل المساء توجهت إلى محطة ( باب البيض ) في الموصل ، حيث كراج بغداد كي استقل حافلة نقل ، لألتحق إلى وحدي العسكرية في قاطع شرق البصرة ..
وفي الكراج ..، تفاجئت ، حين لم أجد واسطة تقلني .. ، بل رأيت المئات من الجنود يتراكضون لاهثين ، كي يحضوا بما يقلهم إلى بغداد أو البصرة ...،  فأصبت بخيبة أملٍ كبيرة ... ، إذ انه كان لزاما علي أن أكون في وحدتي العسكرية قبل الثامنة صباحا .... وكان السيد أمر الوحدة ، قد لمّح لي أن اجلب له عند عودتي ، كيلو غراما واحدا من الجرزات الموصلية الفاخرة ، مقابل منحي يوما واحدا  مساعدة على إجازتي الدورية .. ، ويوم المساعدة هذا هو حقٌ مشروع يُمنح للمقاتلين الذين هم من  سكنه المحافظات البعيدة ...، ولكني تجاهلتُ الأمر .. أولا بسبب ضعف حالتي المادية .. وثانيا عدم قناعي بمثل هكذا طلب...، أي إعطاء رشوة لأيّ من الضباط ، فكيف  أذن ، والحال هكذا ، أن أتأخر عن الالتحاق  خلافا للموعد المقرر ، ومن دون جرزات ....؟!  لا بد أن في الأمر مشكلة .... !
في هذه الأثناء دَخَلَت المرآب حافلة نوع ريم حمراء ، فتراكض الجنود خلفها وتزاحموا حولها .. وانحشروا في  داخلها حشراً  ..، مع حجز المقاعد الأولى للضباط طبعا ...،  ولكني كنت مُثقلا بحقيبتي الثقيلة ، ولم يتسنى لي آن احجز  مكانا ، ولكن ، وبصعوبة كبيرة  ، حشرت نفسي مع الجنود الواقفين في وسط الحافلة وحظيت بمكان لا يتجاوز الثلاثين سنتمترا وقوفا  في مؤخرة الحافلة ....، والتي ستنطلق مباشرة إلى مدينة البصرة ، وبذلك أمضيتُ أكثر من إحدى عشر ساعة من ساعات الليل ، واقفا على قدمي ، مترنحا ، حتى نزل بعض الجنود في الطريق على أطراف المدينة ، فتمكنت من الجلوس على أرضية الحافلة ... !
وصلت ساحة سعد الشهيرة في البصرة ، وثم استقليت راكبا في عجلة اللاندكروزر إلى وحدتي و م ط \5 في منطقة الجباسي خلف شط العرب باتجاه الجبهة ... فوصلت الوحدة العسكرية عند الساعة الثامنة والربع .. الحمد لله ... لم أتأخر كثيرا عن الموعد ... ،  اجتزت باب النظام وهرعت مسرعا إلى ملجأي ( مقـر المفرزة الطبية ) حيث كانت وجبة المجازين قد التحقت صباح أمس ، وهم الآن في ساحة التدريب ، وبينما كنت منشغلا بتهيئة يطغي ( سريري) وتغيير بذلة النزول العسكرية ببذلة العراضات ..، ومن  ثم تسليم ورقة الأجازة الاعتيادية إلى قلم الوحدة ..، دخل علي مراسل الآمر ، يسألني عن الجرزات ... ! إذ  أن السيد  الآمر قد لمحني مع حقيبتي من خلال شباك غرفته ، وأنا ادخل باب النظام ... وهو الآن يطلب الجرزات التي وعدته بها .. وربما السجق والحلويات الموصلية .. فمن يدري ..؟ ! ولكني صعقت للأمر .. ولم أستطع تقديم عذرا معقولا  .. ، لأنني توقعت الموضوع   مجرد مزحة .. ولكونني منقولا حديثا إلى هذه  الوحدة العسكرية  ، ولم أتعود تقديم هدايا للضباط أو تكوين علاقات مع أحد منهم .. كما إنني لست بالجندي الاعتيادي .. بل  جندي خرّيج طبابة عسكرية  ، ولي شخصيتي المستقلة .. ومسئول المفرزة الطبية ...، لكن السيد الآمر يعتبرني أسوة ببقية الجنود ....، فلا بأس ليعتبرني ما يشاء .. ولكن أن يطلب مني الرشوة ..؟! فذلك خط أحمر ... ذهب مراسل الآمر بخفي حنين ..، ونسيتُ بل تناسيتُ الموضوع  .. وبدأت بمزاولة عملي المعتاد والتهيؤ للمكوث في الوحدة لمدة ثماني وعشرون يوما .. ، ولم يُرسل الآمر في طلبي ...، لكنه كان يدبر لي أمرا بليل .. !
عاودتُ مزاولة عملي في المفرزة الطبية بكتابة وتخطيط  عيادات الجنود المرضى الذين سيأتون للمفرزة وتهيئة لِستة بالأدوية التي احتاجها ، لجلبها من المذخر .. ثم فتشت مطبخ الضباط والمراتب وتأكدت من سلامة الأرزاق ووجود مياه الشرب ، ثم ذهبت إلى مستودع الأسلحة واستلمت بندقيتي ..،  حتى كانت الساعة الحادية عشرة ، حيث ظهرت طلائع الجنود المنسحبين من ساحة  العرضات إلى داخل مقر الوحدة ... ، ثم تمّ توزيع الأرزاق ، بعض حساء العدس ، مع صمون الجيش القاسي ، ثم التقيت بزملائي من جنود المفرزة الطبية ، إلاّ مساعدي الذي كان قد غادر مساء أمس بأجازته الدورية ... قسّمت الواجبات الليلية على ورقة وأرسلت نسخة منها إلى قلم الوحدة ... إلى أن حان وقت (القصعة ) ، فتناولنا ما تيسر من الرز مع مرقه هواء الشهيرة .. ،  وما إن ارتميت على السرير لأريح جسدي المنهك طوال الليل في الطريق ، حتى أذيعت أوامر القسم الأول بالمايكروفون وبصوت ر.ع محمد ، الجهوري القوّي .. ، ولما كانت السماعة الكبيرة والوحيدة متجهة في اتجاه مقر المفرزة الطبية .. كما أن الهواء كان يهب في اتجاهنا ، حاملا ذلك الصوت الجهوري القوي  .. ، فكان أول ما أذيع من خبر هو أسماء المقاتلين من الذين تم تنسيبهم استخدام  إلى لواء المشاة 418 ولمدة شهرين متتاليين ..!! وكان اسمي أول هذه الأسماء !! ... ن ع خ مكلف طبابة عسكرية (ج ف ز )، ينسب إلى الفوج الأول .. ن ع مطوع ( س م س) .... وهكذا خمسة مقاتلين إلى سرايا الفوج الخمسة بضمنهم سرية المقر طبعا .. لكني لم آبه للأمر رغم عدم وجود مساعدي ولم أعارض الأمر العسكري ، بل كنت أحبذ المجازفة وخوض غمار الحرب عن كثب ، على أن أكون جنديا خاملا خارج المعركة الحقيقية ، ورغم كوني منهكا جدا ، هيأت حالي ورزمت يطغي مرة أخرى وملأت زمزميتي بالماء ونظفت بندقيتي وربطت جعبة الرصاص على صدري  .. وفي هذه الأثناء كانت الساعة قد قاربت الثانية ظهرا ، حضرت سيارة الايفا  أمام المفرزة الطبية بصحبة السائق مع ملازم ثان ، لتقلنا إلى اللواء الذي تم تنسيبنا إليه في عمق الشرق المحاذي لإيران  خلف بحيرة الأسماك العتيدة ..... رمينا يطغاتنا على ظهر عجلة الايفا ، ثم قفزنا مع ما بحوزتنا من أسلحة وعتاد وطعام ، وانطلقت بنا العجلة ، وثمة مسحة من الحزن والحيرة تفترش وجوهنا الكالحة .. بينما كانت العجلة تهدر وتسرع بنا ، كنا نسمع هدير المدافع  الثقيلة  وتساقط القذائف وانفجارها هنا وهناك  ومن بعيد  وقريب ... ولما قاربت  الساعة الرابعة عصرا ، وصلنا مقر الفوج الأول وتوقفت العجلة أمام ملجأ آمر الفوج .. وهو ملجأ محفور داخل الأرض ومغطى بالتراب والارامكو ( صفيح مضلع) ، ضمن ساتر ترابي .... ، وبلمح البصر سلم الملازم  الثاني كتاب تنسيبنا ، ثم استقل العجلة واقفل عائدا مع السائق إلى وحدتنا في المقرات الخلفية و م ط 5 فق 8 .. استقبلنا آمر الفوج الأول  ببرود وعدم اكتراث ، ثم استدعى رئيس عرفاء الوحدة ، وأمر أن يقسمنا على سرايا الفوج الخمسة بما فيها سرية المقر التي تم تتسيبي إليها .. ودلـّـني إلى ملجأ قريب محفور تحت الأرض ، قريبا من ملجأه المحصن ، لكوني أنا الوحيد من بين الخمسة المنسبين كنت نائب عريف خريج طبابة عسكرية ..
كان آمر الفوج عائدا تواً من اجتماع الآمرين في قيادة الفيلق ..، وبما أن هذا اللواء الذي تم تتسيبي إليه قد تجحفل في موقع متقدم من الأراضي الإيرانية – العراقية  .. أي في ارض مشتركة متنازع عليها تسمى (اللسان ) ، حيث تدور معارك طاحنة  كل يوم بين قواتنا والقوات الإيرانية للاستحواذ عليها والسيطرة على  ارض المعركة ، لذلك فان خطة مدروسة قد وضعت لاستدراج العدو الإيراني المحتشد في الجانب الأخر ، وقد سُلّمت نسخة من الخطة الجهنمية والمهمة جدا  بيد آمر الفوج الأول  الذي نحن في ضيافته ، مع خريطة مهمة عن تفاصيل ارض المعركة .. ، لذا كانت من الأهمية ، بحيث  يعتمد عليها مصيرنا ومصير المئات من الضباط والجنود المرابطين في ذلك القاطع من جبهة القتال ، بل مستقبل الجيش والبلد أمام الرأي العام العالمي وعلى أعلى مستوى من القيادة .. ، إلا أن السيد آمر الفوج كان يبدو قلقا جدا  ..، يتحرك جيئة وذهابا .. هنا وهناك ، ويتفقد أحوال ومعنويات الجنود وأمراء السرايا وهم رابضون في مواضعهم القتالية ، وكان بصحبته (ترمز) ماء من البلاستك  أينما حل وجال ، رغم إن الجو لم يكن ساخنا جدا ، كي يستوجب تكرار شرب الماء... !!
كان المساء يزداد حلكة ًوجنونا ً. . أصوات الانفجارات على طول خط الجبهة لا تهدا ويزداد الصوت وضوحا كلما دخلنا في الليل ، عاد السيد آمر الفوج من تفقد ثكنات الفوج ...  السرايا والمقاتلين واطمئن من وصول قصعة العشاء لآخر جندي في آخر موضع قتالي ، لكن الجو كان مشحونا بالخطر ، كوننا منطقة حجابات وفي تماس مع القوات الإيرانية التي لا تنفك عن مباغتتنا أثناء الليل من اجل الحصول على موطئ قدم في الأرض التي في حوزتنا .. بدأ القصف المدفعي يزداد ضراوة وأزيز الرصاص يتطاير ، ومشاعل التنوير تُطلق في السماء ، فتكشف كل ما موجود على الأرض ، وتحيل ظلام الليل إلى نهار .. كانت عقارب الساعة قد اقتربت من الثانية عشرة ليلا .. حينما كان جسدي منهكا جدا ، كوني لم أذق طعم النوم ليلة البارحة وأنا في طريقي من الموصل إلى البصرة ، واقفا على قدمي  داخل الحافلة ، حتى هذه اللحظة ، إذ قضيت النهار كله يقظا ، فلن أقوى على عمل شيء سوى الاستسلام للنوم داخل ملجآي محتضنا بندقيتي ، ثم غفوت إغفاءة عميقة في ظلام الملجأ غير آبه لما يدور في الخارج من هول ، لأن الوضع  أصبح مألوفا في جبهة القتال ، معتقدا إنها مجرّد مناوشات يومية وجس النبض أو قرقعة سلاح لا أكثر .. لكن الأمر تطور وتمادى وخرج عن السيطرة .. ، إذ أن القوة الإيرانية المهاجمة كانت اكبر مما هو متوقع ، وحسب المعلومات الاستخبارية الواردة لمقر قيادة اللواء والفوج الأول ، كانت قوة تزحف ببطء ، لتحتل مواقعنا المحصنة ،  والإيرانيون يتميزون بطبيعة مستميتة إثناء الهجوم .. فهم يهجمون بأعداد هائلة ، غير آبهين لحقول الالغام والنيران التي تطلق نحوهم ، كونهم ذاهبون إلى مدينة كربلاء المقدسة ، والتي تقع حسب اعتقادهم خلف هذه السواتر الترابية ! .. وهذا أهم شيء عندهم في هذه الحرب ، أن يموتوا شهداء في طريق كربلاء ... !!
في هذه الأثناء أحسستُ بان يداً تهزني بقوة ، إذ كان السائق المدعو (عطيّش) وهو من أهالي  الناصرية ، يصيح بأعلى صوته .. انهض .. انهض أيها الجندي الخامل ، الإيرانيون دخلوا علينا ، نهضت على الفور مذعورا وتركت كل شيء ورائي داخل الموضع  ، إلاّ بندقيتي وجعبة الرصاص ، وأنا خارج من الموضع ، كان آخر ما تبقى من الجنود ينسحبون تحت جنح الظلام ، ويتركون مواضعهم هم وأمراء الفصائل ، وفق انسحاب مضطرب ، نظرت إلى ملجأ السيد آمر الفوج ، كان خاليا مهجورا معتما ، فأدركت بأن الوضع خطير ، أخذت أهرول خلف السائق عطيش وهو يدلني إلى الطريق حيث المقر البديل لفوجنا في منطقة المثابة .. ، بعد وصولي مع آخر ما تبقى من الجنود أجرى رئيس عرفاء الوحدة التعداد للتأكد من انسحاب آخر جندي من ارض المعركة ، لكني انتبهت للسيد آمر الفوج الرائد (محمد) ، كان قلقا جدا غاضبا يصيح ويزعق في وجه الضباط والجنود ويضرب كفا بكف ، كونه نسي الترمز الذي كان يرافقه أينما حل وذهب ، فتعجبتُ من تفاهة الأمر، وارتسمت على شفتيّ ابتسامةٌ ساخرة ، لم يلحظها احد وسط الظلام الدامس .. ، لكن السيد آمر الفوج لم يكف عن الزعيق والصراخ موجها كلامه إلى مساعده النقيب جعفر وآمر سرية المقر ، متهما إياهما  بالإهمال والتقصير .. إذ كان مُصرا على إعادة ذلك الترمز الغريب بأي ثمن كان ..، فلم يتطوع أحدا من الجنود بالمجازفة والرجوع إلى المقر القديم لإحضاره ..!!، ومن دون شعور منّي تقدمت وأديت التحية للسيد الآمر أمام حيرة ودهشة الضباط والجنود  ..، وسألته سيدي أين استطيع أن أجد الترمز ..؟ هل أستطيع إحضاره لك ..؟! ، فصمت الآمر واتسعت حدقتاه ، وهو يتفحصني وسط الظلام ، ثم قال  أليس أنت الجندي الاستخدام الذي جاء اليوم  ..؟! قلت نعم سيدي ... خيّم صمتٌ رهيب على الجمع الواقف .. ثم صاح الآمر بسرعة ، انه موجود تحت سريري داخل الملجأ .. أحقا تستطيع إحضاره .. أعطيك إجازة سبعة أيام ... عشرة ... كم تريد .. فقط احضر ذلك الترمز اللعين ..
بما إن ملجأي الذي أودعوني فيه عصر اليوم ، كان قريباً من ملجأ الآمر المحصن ، لذلك استطيع بسهولة تمييز مكانه ، ومن  أجل إنهاء المشكلة ، تطوعت أن أجازف بحياتي ، فتقدمت لهذه المهمة الجنونية  ، إضافة إلى حاجتي الماسة للأجازة من اجل العودة  إلى دياري وأتقدم لخطبة من أحبها .. ، فها أن الشوق بدأ يهدني منذ اليوم الأول لفراقها .....، لذا ازداد إصراري ولهفتي لإحضار ذلك الترمز مهما كلف الأمر ..
قال لي الآمر خذ معك ما تريد من العتاد والرمانات الدفاعية والهجومية .. وسأتدبر خمسة من أشجع الجنود لحمايتك  وإسناد ظهرك ...،  المهم أن تأتيني بالترمز ... ولك ما تريد ....، ثم أمر مساعده  باستدعاء خمسة من الجنود من السرية الأولى ، ورافقوني مكرهين ، وعلى مضضٍ  ، متذمرين من سذاجتي وبلاهة عقلي ، وهم يشتمون ويلعنون حظهم العاثر ....،  وانطلقنا تحت جنح الظلام .. ، بعد أن تزود كلٌ منا  ببندقية مع مائتان وأربعون أطلاقة ، ورمانتين دفاعيتين وهجوميتين .. كنا نتقدم بحذر شديد نحو الأرض التي انسحبنا منها ، متوخين حقول الألغام ومشاعل العثرة ... وما هي إلا أقل من نصف ساعة ، حتى بان ملجأ الآمر تحت ضوء القمر الخافت ، فتركني الجنود الخمسة على مسافة مائة وخمسون مترا ، متخذين مواقعهم للمراقبة  والدفاع في حذرٍ وتوجس .. ثم بدأت ازحف على بطني ببطيء حتى ملجأ السيد الآمر حذراً، متفحصا ًالمكان رويدا رويدا  .. لما وصلت باب الملجأ لم يكن هناك جنود إيرانيون بداخله ... بل كان باب الدخول إليه محطما بواسطة قذيفة آر بي جي 7 خاصة بالتحصينات ، وكان معتما من الداخل ، مهجورا ... فقلت لنفسي ( الحمد لله .. لا يوجد احد هنا ) ثم ولجت إلى الداخل في وسط الظلام الدامس وتحت الأنقاض المحطمة والغبار والدخان  وبدأت ابحث متحسسا  بيدي اليمنى  بحذر شديد  ، وانأ أشعل أعواد الثقاب ، الواحد تلو الآخر .. وما هي إلا لحظات حتى لمست يدي جسما بلاستيكيا أملسا ...!   فسحبته بسرعة ، كان خفيفا خال من الماء ، فتعجبت من خفته وتشبث الآمر به واهتمامه ، لكنه كان مقفلا بإحكام بواسطة شريط لاصق ، فهممت بالخروج من الملجأ ، متفحصا الأجواء ، فلم أجد أحدا ، إلا بعض الأصوات واللغط  لم افهم منها شيئا ..واصوات أطلاقات من سلاح خفيف في الجوار ، أنهم الجنود الإيرانيون يحتفلون بالنصر  خلف هذا الساتر الترابي ... كان دوي المدافع وأزيز الرصاص قد هدأ قليلا ، عندما كانت الساعة تقارب الرابعة فجرا ...، قفلت زاحفا بصعوبة بالغة  بصحبة الترمز مع البندقية والعتاد ، وكانت الثواني تمر علي كأنها ساعات طويلة حتى اقطع هذه المائة وخمسون مترا المتبقية ، لأوافي رفاقي المقاتلين الذين ينتظرونني خلف الكثبان الترابية المتشعبة .. حتى أصبحت قريبا منهم فعرفوني ، وهم يهمسون بصوت رهيف .. أبقى منبطحا على الأرض لا تنهض لئلا يرصدونك ... حتى اجتزت  التلة الترابية ، فنهضت واقفا على قدمي .. وبدأت أهرول ببطء  متوسطا الجنود الخمسة الذين كلفوا بحمايتي إلى منطقة المثابة حيث يتجحفل فوجنا ... ووسط  ذلك الصمت والظلام والسكون الرهيب ، صرخ بنا صوت مدوي شل أوصالنا ، صائحا بنا ( قـــــــــــــــــف )... سر الليل... وعلى الفور أدرك احد الجنود الخمسة من انه صوت رئيس عرفاء السرية ( سامي جلوب ) ، فرد عليه نحن جماعة الترمز.. جماعة الترمز  .. نحن الفوج الأول .. إذ أن الآمر كان قد أرسل قوة قتالية أخرى في أثرنا لحمايتنا ، ولكي يدلونا على الطريق ، فصاح هل أحضرتم الترمز .. ؟ أجبته نعم  ..ريس نعم .. أحضرنا الترمز .. وفي هذه الأثناء اشتعلت الأرض التي خلفنا ، بنيران المدافع والهاونات وراجمات الصواريخ .. فتحولت إلى جحيم .. هرولنا جميعا حتى المقر البديل لفوجنا ، حيث كان الآمر والضباط في انتظارنا على أحر من الجمر ، فتقدم الآمر نحوي مسرعا وانتشل الترمز من يدي بقوة وفتحه .. ومد يده في داخله واخرج منه ورقة كارتونية ...،  وتنفس الصعداء وهو يردد الحمد لله .. الحمد لله ..
الخطة موجودة في الترمز ... اندهشت للأمر وأنا  أشاهد تلك الورقة من الكارتون .. على نور ضياء الفجر الأول .. ثم علمت بان الترمز كان بداخله الخطة الحربية المرسومة للقطاعات في اجتماع الفيلق ،مع خارطة لجميع المواقع المهمة .. حيث   تقوم  الخطة على انسحاب قواتنا لاستدراج قوات العدو وثم دكها بالصواريخ وقنا بر المدفعية الثقيلة ، لتكبيد العدو اكبر عدد من الخسائر بالأرواح والمعدات .. لكن السيد آمر الفوج كان قد أخفى الخطة الحربية في داخل ذلك الترمز .. ونسي الترمز في الملجأ عندما شاهد بالناظور الليلي  قوة من الجنود الإيرانيين تتقدم نحو ملجئه  ، فهرب ، لكي لا يصبح صيدا ثمينا في قبضتهم . ولئلا تقع تلك الخطة في يد الأعداء فيكون مصيره ومصيرنا الهلاك المحتوم .. في الحقيقة إن الله وحده هو الذي نجاني وأنقذني من  تلك المغامرة  الخطيرة ، وبسبب سذاجتي وقلة خبرتي في جبهات القتال .. وبسبب  حبي الكبير وتعلقي بمن أحببت ، أقدمت على المجازفة بحياتي لكي احظي بأجازة لقضاء اكبر وقتا مع حبيبتي .. هناك على ضفاف نهر دجلة في الموصل ..    
ولو كنت قد تأخرت عشرة دقائق أخرى لكنت الآن في خبر كان وتحولت إلى أشلاء ممزقة ، بسبب تلك الخطة المرسومة ، والتي تقضي بالانسحاب الجزئي .. ثم دك تلك المواقع بالمدفعية الثقيلة .... علما بأن السيد الآمر لم يُعلم أحدا من القادة والمراجع بأمر فقدان الخطة الأمنية .. وأنه أرسل من يعيدها ....
شرق البصرة \ 1987  
                     
الفسُحـة ...

     ينتابه قلقٌ واضطرابٌ شديدين ، في انتظار أن يحين يوم أجازته ، لكي يسافر إلى مدينتـــــــه ( البصرة ) البعيدة القابعة في أقصى الجنوب ، لأنه ، هناك ، سيلتقي حبيبته في السفرة العائلية المرتقبة التي تنظمها إحدى الجمعيات الخيرية ... لكن الأيام لا  تمّر ، إلا ببطءٍ ثقيل ...،  فانتظر ، إلى أن حان ذلك اليوم ، وأُذِنَ له بالسفر من قبل مرؤوسيه في العمل ، فحزم أمتعته وأشيائه وأشلائه المعذبة الممزقة ، وأنطلق مكبّلا بهمومه وأثقاله ،  صوب محطات الجنوب ، في رحلة طويلة شاقة ..، حتى وصل مدينته الحبيبة التي غاب عنها طويلا ، ثم التقى حبيبته عشيّه يوم السفرة المرتقبة ، لكن ذلك  اللقاء كان سريعا خاطفا ، لأنها كانت  برفقة والديها ، وفي مكان مكتظ بالناس ،  فلم يجرؤ أو لم  يتسنى له التحدث معها ، إلا انه  استطاع أن يكسر حاجز الخوف ، وطوق الحصار المفروض حولها ، أن أومأ لها بإشارةٍ مؤكداً لها حتمية اللقاء  غدا ....
منذ صباح اليوم التالي ومع جوّ مفعم بنسمات ربيعية وشمس دافئة خجولة ،  خرج متهيئا ، هُماما ،  قاصدا  موقف الحافلات التي ستقلّهم إلى البر البعيد ، في خارج المدينة ، إلى منطقة صحراوية ، تسمى الأثل ، لوجود أشجار قصيرة فيها تسمى الأثل..... فكان  هو أول الحاضرين ، ينتظرها  في ساحة التجمع والانطلاق  .. كانت الدقائق تمر بطيئة ..، وعيناه جامدتان مسمّرتان على الطريق الذي يؤول  إلى بيتها ، والذي  سوف تأتي منه حتما ، حينما كانت حشود الناس تتجمهر قرب الحافلات .. ، فلم يهدأ له بال ، حتى لاحت لناظريه من بعيد بصحبة والديها وشقيقها الأكبر ، وشقيقتها الصغرى ، وهي تتقدم بهدوء محملة ببعض أمتعة واحتياجات السفرة .... ومن بعيد التقت عيناهما ، وتبادلا   نظراتٍ عميقة ، مرهفة ، يشوبها الحزن  والشوق والحنين والحرمان  ... لا بل التقى القلبان المعذبان ، النابضان   بقوة ودفئ الحب الذي يسري في أعمق أعماقهما .... ولما حظر كل الناس واكتمل عددهم ، تحركت الحافلات تباعا في طريقها إلى البر البعيد خارج المدينة .  
وهناك ، في نهاية المطاف  .. ، وبعد أن ترجّل الجميع من الحافلات ، واختاروا أماكنهم مع أمتعتهم بين شجيرات الأثل ..، بدأ على الفور يبحث عن مكان وجودها ، حتى رآها ، ورأته مقبلا نحوها من بعيد ، فأقترب يخطو بالقرب من مكان تواجدها ، وبغفلة من  أنظار شقيقها ووالدتها ، أومأ أليها بإشارة من إصبعه  ، وتحرك مُسرع الخطى يتقدمها  ،  فتبعته بتمهل ، حتى أبطأ قليلا ، فأدركته ، وسارا معا مبتعدين عن الناس  إلى أن تواريا عن الأنظار خلف شجيرات الأثل النائية .
قال ..  هاتي  يدك...
وضعت كفها بكفه ... فتشابكت الراحتان بقوة .. كانت كفها بيضاء مكتنزة ملساء دافئة .. ، وتحت شجرة قاصية وارفة ، جلسا ليستريحا .... قال لها بنبرة آمرة  .. اقتربي مني قليلا ..
اقتربت منه حتى ألصقت جنبها الأيمن بجسده من الناحية اليسرى ... ، فأحس بدفئها وحرارة جسدها ..، أخذ راحتها البيضاء المدورة بكلتا يديه ، وبدأ يمسدها برفق ، وينظر إلى أناملها المطلية بالأحمر القاني بعناية ودقة ... ثم رفع كفها بحنوٍ إلى فمه ، وقبلها مرة ومرتين وثلاث .. ثم قبّل راحة يدها ، والصقها على فمه ، كأنه يستنشق عطرها وعبيرها مثل زهرة فواحة  يانعة ...، ولكنها لم  تمانع من ذلك الفعل ...، فشعر بنشوة عارمة تسري في جسده ، بينما بدأ جسدها يسخن بسرعة وتوردت وجنتيها واحمرت حياءً وخجلاً ، لكنها كانت راضية كل الرضا ومستسلمة لكل ما يفعله معها ، كونها تحبه لاكثر من عامين ، ويحبها بكل جوارحه ، لكن شاء القدر أن يبعده عنها ، بعد تخرّجه ، وبسبب  تعيينه  بوظيفته في محافظة بعيدة في الشمال ... ، لكنه لم ينقطع عنها كثيرا، فكان يزاورها أو يلتقي معها خلسة ويهفو إليها دائما ، كلما عاد بأجازة من عمله ...، عندما وجدها استساغت الأمر،  ولم  تمانع من أن يمسّد  ويقبل راحة يدها وكفها الجميلة البيضاء المدورة ، وأناملها الرقيقة الجميلة .. ، تمادى في غيّه وطمع في المزيد من الاستمتاع ... ، ثم قال ... دعيني أن أنام برهة في حضنك الدافئ ... ترددت قليلا ..، في بادئ الأمر... لكنه أصرّ على أن يفعل ... ، فدفع برأسه إلى حضنها بلهفة وحنوّ ، فشعرت بقشعريرة ورعشة  تسري في جسدها ، فوضعت كلتا يديها تحت رأسه ، لكنه امسك بإحداها وسحبها إلى شفتيه وأخذ  يقبلها بحرارة وشوق ، فسقط رأسه في حضنها الدافئ ..... تحركت أناملها تحبو بهدوء  متلمّسة تقاسيم  وجهه وذقنه الحليق .. ، وتمرر سبابتها على شفتيه وهو يقبلها ، تارة  وتعبث بأناملها  بخصلات شعره السبل ،  ثم تجرأ  وقال مرة أخرى ... أريد أن أقبلك من فمك  ..! انتفضت غاضبة وهي تهم بالانصراف ... ، لكنه لاذ بالاعتذار وهو يرجوها أن تمنحه برهة ًمن الوقت ، كي يظلّّ رأسه مرتاحا في حضنها ، متمتعا باستنشاق عطرها ورائحة جسدها العبقة برائحة البراءة والطفولة  ، فكانت  تلك اللحظات الجميلة  من اسعد وأعمق اللحظات ، لم يعش مثلها لحظات جميلة في حياته قط .
قالت بغنج ، وهي تفتعل الغضب .. إذا تريد منّي البقاء معك ، كف عن  طلباتك الملحّة هذه ..هناك في البعيد القريب ... وبين شجيرات  الأثل ، كان نفر من الناس يخطفون ذهابا وإيابا ، كالأشباح ... وثمة بعض الصبية يلعبون الكرة ، ولكن عندما جال نظرهما ، مستكشفان ما حولهما ، اكتشفا ، وبالقرب منهما ... وتحت شجرة مجاورة ،  ثمة عاشقان يافعان ،  يتبادلان القبلات بحرارة  ..!
فتشجعا ، إذ رأيا ذلك المشهد ...قال ... حبيبتي ..؟
أجابت  نعم ...
قال ... هل تحبينني ...؟
قالت .. وهي تطبق شفتيها ، وتهمس له بصوت خافت .. أحبك..أحبك ..  
قال ... أرجوك أن تقوليها بصوت عال ... أحب أن أسمعها عشرات المرات وبأعلى صوتك..
تنهدت بحسرة وحرقة ... وترقرقت عيناها بالدموع ... وقبل أن تتفوه  بشيء..،  وضع كفه على فمها ... وقال ... كفى .. كفى .. لا تقولي شيئا .. لقد تأكدت من حبك لي من بريق عينيك وتنهدات قلبك .... لكنها قبّلت أنامله  التي اصطبغت بلون شفتيها الأحمر القاني ، وانحدرت على خديها دمعتان حارقتان ...
قال ... حبيبتي  ...
قالت ماذا .....
قال ... أريد أن أموت الآن ..
قالت ... حاشاك حبيبي .... ، وهي تداعب شعره الخفيف وتمرر أصابعها بين ثناياه برفق وحنو ، وهي ترتعد ،  وتشعر بلذة عارمة وقشعريرة تدب في جسدها المكتنز ، والذي بدأ يسخن كثيرا بسبب تدفق الدم بغزارة في أوصالها ..
رفع رأسه من حضنها ... ، وبدأ ينظر إلى وجهها القمري ، الناصع البياض ، ويتفرّس في ملامحها الحزينة ، ويحدق في عينيها الدامعتين ، ويمسح دمعها من خدها  ... فأحتضنها وضم جسدها إلى جسده  بكلتا  يديه وأخذ يقبل   شفتيها بحرارة وشوق ولهفة  ، حتى شرب  من رحيق روحها العطشى  المعذبة  ....  كانت شفتاها كجمرتين مستعرتين ...، عندما كادت ان تغيب عن وعيها ، امتدت يده لتفك ازرار قميصها الشفاف بهدوء ، حتى اصابها نوع من الخدرالحذِر، فتمددت على الارض ، بما يشبه الغيبوبة ، وهي تتنهد وترتعش من نشوة عارمة تسري في جسدها ..، وما انفك يلهب ثغرها وصدرها وثدييها المكتنزين المدورين بأحر القبلات ..  حينما كانت الشمس تبسط أشعتها الربيعية الدافئة على أرجاء المكان ... بدءا  يذوبان كذوبان الجليد بدفء الحب .. ثم يتساميان ، ليصبحا قطرة دمع ونبع واحدة ...
                   
                                 البصرة


الهاجس ...

كان يراودني هاجسٌ ، يُقلقني .... وأملٌ كبير، وتحدياً  يدفعني للمقامرة ... ، أن اقهر جبل مكحول ، وارتقي قمته العالية ... وانظر من هناك إلى ما خلف الجبل ، وما تحته ، والتقط صورا للعالم الواسع من فوق ، كالنسر المحلق في السماء .... ومرت أيام الصبر والانتظار الطويل ، حتى جاء ذلك اليوم الذي يُسمح فيه بالصعود إلى الجبل ، وهو يوم واحد محدد في العام ، يوم تذكار الربان هرمزد  ...، وسافرت من كركوك إلى الموصل قبل يوم ...، وفي اليوم التالي ، استأجرت سيارة أجرة ، مع بعض أفراد عائلتي ، من الموصل إلى جبل القوش ، حيث يقع الدير ، وهناك  كان الزحام على أشده ... ، الآلاف من الزوار ، مَن قدموا من كل محافظات العراق ، ومن خارج البلد ..،  وبعد أن مكثت قليلا  مع  عائلتي ، تركت العالم  الضاج من حولي وانطلقت راجلا لتحقيق أمنيتي ، صعودا تدريجيا ، حتى وصلت مع العشرات ، إلى  صدر الجبل حيث مزار الربان هرمزد .. وزرت الأماكن المقدسة  مع الزوار، ودخلت أقبية الدير والمغاور القديمة ، وصليت مع المصلين ، ثم قررت أن أتابع مسيرتي إلى قمة الجبل ، كان هناك بعض الشباب ، حاولت إقناعهم ، كي يقامروا معي والصعود إلى القمة ..، لم يجرؤ أحدا منهم ، فقررت الصعود لوحدي .. وتوقعت أن أنجز مهمتي في ظرف ساعتين على الأكثر ، انطلاقا من الدير الذي يتوسط الجبل ، وكان الوقت يمر بسرعة ، عندما بدأت الصعود ، وأنا أتسلق نحو القمة ، والقمة تبتعد نحو السماء .. اركض .. ألهث .. أتصبب عرقا ، يعتريني  التعب والإعياء ، أتوقف لأستريح برهة ، متأملا ما تبقى من المسافة .. اصرخ .. أصيح .. إلى القمة .. إلى القمة .. ولكني ظللت الطريق ، ووجدت نفسي خائر القوى ، جالسا انظر إلى واد سحيق ... لما قررت العودة ، فاجأني ، بل أذهلني وجود مقامر آخر ، حينما رايته يتسلق الصخور الكبيرة لوحده  ، كان هو الأخر ، قد قرر أن يقهر القمة العالية ، فتوكلنا على الله وانطلقنا معا .. كنا نلهث من الإعياء ، ولا شيء أمامنا سوى صخور كبيرة عملاقة جرداء ، حتى وصلنا إلى نهايات صخرية شديدة الانحدار ، مسطحة  ، لا يمكننا تسلقها ولا يمكن الخروج منها ، لأننا ضللنا الطريق في منطقة وعرة جدا ، كنا ننظر القمة قريبة  جدا ، ونركض نحوها ، لكنها تخدعنا ، كونها ليست قمة ، فالمجد بعيد .. بعيد ، وليس أمامنا طريق نسلكه غير الصخور الكبيرة التي لا يمكن قهرها بسهولة ، ثم ، بعد ذلك داهمنا الوقت ، فقررنا النزول .. كان طريق العودة بعيدا ، وأكثر خطورة ، لكن لا بُد لنا من الوصول إلى بر الأمان ، قبل أن يدركنا الظلام ... في لحظة ما ، ساورني شعور مخيب للآمال  ، ربما ظللنا  الطريق ، ولكن علي أن أحاول النجاة مع رفيقي المغامر ، شعرت إن الجبل الذي تحديته غدر بي وقهرني ، وبدد آمالي ، حتى تخليت عن فكرة التحدي مرة أخرى ، في هذه الأثناء  زلت بي قدمي ، وكدت اسقط في هوة سحيقة ، لا قرار لها ، لكن رفيقي سحبني من يدي ، حتى ثبتت قدماي ، واستعدت توازني  واستقريت واقفا ، .. وبعد وقت من الصراع ، وصلنا قريبا من الأرض ، حيث ضفة النجاة .. وقبل أن نفترق ، سالت رفيقي .. ما أسمك .. قال زياد ...                                      
                                          1995                

         








ذكريات في زمن الاغتراب

الغروب في كركوك .... 30 أيلول 1986
أنه المساء الأخير من أيلول ... ، عند  كل غروب ....، تتصاعد كآبتي ويرهف إحساسي ، في عزلتي وغربتي في هذه المدينة البعيدة ...  التي لا أفقه حتى لغة أهلها ... هرعت ، وكالعادة ، لائذاً إلى نافذتي المطلة على حديقة المستشفى الواسعة .. المهجورة ... فجأة جُنّ الليلُ المضطرب في مدينة الكآبة .. وعصفت الريحُ ، وبدأت الطبولُ  تقرع في السماء مُنذرة الأرض بالهجوم المباغت ....
ضوء البرق الأزرق يومض فجأة ليلتقط للأرض صورا فورية ... ثم بدأ المطرُ ينهمرُ دموعاً تغسل غبار  زجاج نافذتي ، فيشتد المطر ، مصطدما بقوة بالزجاج  ، ليرسم أشكالا لؤلؤية  من الماء المندحر  ....آآآآآآآه .. كم تمنيت لو تتحول قطرات المطر هذه إلى دنانير ذهبية أو فضية تسقط من السماء ، لأخرج وأعبأ ما أستطيع حمله منها ، لأسافر فرحا إلى مدينتي الحالمة .. هناك في أقصى الجنوب .. ، حيث تنتظرني حبيبتي الوفية على أحر من الجمر ..
مرت سويعاتٌ ..، وما زلت مسمراً ، ملتصقا  على نافذتي مثل حشرة مائتة ، أجهدها الإرهاق وهي تحاول اختراق الزجاج للخروج إلى الحديقة  ...  والسهاد يأكل مقلتّي ، وضوء نيون الحجرة يخترق الزجاج ، ليسقط على أغصان شجرة اليوكالبتوس الهرمة ... كانت الشجرة ترفع أذرعها ، كأنها تبتهل إلى السماء لأن تعيد إليها ربيعها ورونقها وأوراقها الساقطة ...
ما زلت أجهش خلف النافذة ، أتأمل المشهد الكئيب ، وعيناي تحدقان من محجريهما كسجينين ، أو كعصفورين حبيسين يريدان الانطلاق نحو الفضاء ، والنسمات الخريفية الباردة تخترق فتحات الزجاج ، فتلسع وجهي الصنمي ، عبقة برائحة الأرض الندية التي دغدغها المطر ..
والليل ينفث رذاذ النعاس ، والمدينة قد خلعت ثوبها ونامت ... وما زلت لوحدي مسافر في دنيا تبدأ من اللانهاية ..وتنتهي  في اللانهاية ...












شرق البصرة \ معركة الحصاد الأكبر   1987

استنادا إلى البرقية الفورية ، من قيادة قوات القادسية ، وبموجب الأمر الوارد من رئيس أركان الفيلق ال (    ) إلى آمر لواءنا لواء المغاوير 1فل 3، نزولا إلى أمراء الأفواج ، بالتحرك  الفوري لمساندة القطاعات المقاتلة ألآن  في قاطع شرق البصرة ( بحيرة الأسماك ) ، على أن  يتجحفل لواءنا ، لواء المغاوير ، واتخاذ حالة التأهب القصوى للاشتراك في معركة الحصاد الأكبر ، ومساندة واستبدال القوات المتضررة ، وإعادة تنظيمها وتعويضها بالمقاتلين الجدد  من الضباط والجنود ..  انتهى التبليغ  .
اتصل بي ملازم أول فاضل ، مساعد آمر الفوج ، وأبلغني بضرورة تهيئة مستلزمات القتال ، من ضماد ميدان ونقالات حمل الجرحى والعتاد ، وتوزيعه على سرايا ومقاتلي الفوج الأول ، بصفتي آمر المفرزة الطبية ، وكذلك تأمين ما متوفر من أرزاق المعركة ، إن وجدت ، وتهيئة بطاقات الميدان ، ومستلزمات الهجوم ، على أن أكون دائم التنقل بين السرايا الخمسة ، وبالتنسيق مع آمر الفوج النقيب ( محمود عايد حمود الشمّري ) ، وآمر سرية المقر الملازم ( حسن ) وأمراء السرايا ....
كانت معركة الحصاد الأكبر بقد بدأت ،   طاحنة ، منذ بدايتها ، وتجازون اليوم ، يومها  الأربعين ، راح ضحيتها المئات من الجنود العراقيين والإيرانيين على حد سواء  ، كان القصف المدفعي كثيفا جدا من كلا الطرفين ، والمعركة حامية ، العشرات من ألوية المشاة ، تم استقدامها من مختلف الجبهات ، من قاطع ميسان ، والقاطع الأوسط ، والقاطع الشمالي ...  
في يوم صحو ، جاء دورنا للمشاركة في المعركة ..،  فكنت جالسا بالقرب من فتحة العبور التي أُحدثت في الساتر الترابي الذي يفصل ما بين قواتنا وقوات العدو ، من على أحد المواضع المرتفعة فوق الساتر نفسه ، أراقب ما يجري عن كثب  ، انظر إلى الوحدات العسكرية المنسحبة ، والمنكسرة بصمت ، على شكل فصائل راجلة بانتظام بإمرة بعض الضباط من الرتب الصغيرة ....  كانت القوات الإيرانية ، تزج بكل ثقلها من أجل اكتساح قواتنا للحصول على موطئ قدم ،  والزحف نحو البصرة ، إلا أن القيادة العراقية ، كانت هي الأخرى تدخّر كل مجهودها الحربي من رجال ومعدات  وخبرات ، من أجل صد هذا الهجوم الكاسح بأي ثمن كان ، فاسترخصَت الغالي والنفيس ، والأرواح كوقود في الحرب من أجل ديمومة هيبة الدولة أمام الرأي العام العالمي ...  توغلنا برتل عسكري صامت تحت جنح الظلام ، لنتبادل المواضع من أحد ألوية المشاة المتضررة ، بعد أن تكبد خسائر جسيمة بالأرواح والمعدات  والعتاد ، كانت الساعة الحادية عشرة ليلا ، عندما تجحفلنا في منطقة المثابة ، أصوات المدافع لا تهدأ ، بدويّها ووميضها الذي يعمي الأبصار ...،  عندما كانت كتيبة مدفع الميدان 130 في الجوار منا لا تتوقف عن أطلاق القذائف ، العشرات من المدافع كانت تطلق نيرانها في آن واحد ، ( رشقة )  وفي المقابل كانت قذائف العدو تتساقط هنا وهناك .
تم التنسيق بين آمر فوجنا الفوج الأول ، مع آمر كتيبة المدفعية على رمي العدو برشقات متكررة ، وبالتنسيق مع كتيبة مدفعية أخرى في الميدان ، لإرباك العدو ، من أجل عبورنا إلى أهدافنا في  المواضع القريبة المرسومة لنا ، والسماح للواء المتضرر من إكمال انسحابه إلى المواضع الخلفية .... ، وتحت أزيز  الرصاص وسقوط قنابر الهاون ، وانفلاق قنابل التنوير في السماء ، حتى تمكنا من استلام المواضع المواجهة للعدو بأقل الخسائر من الجرحى ... ، وتم إخلاء  الجرحى وبعض الشهداء ...الذين تمكنا  إخلائهم  من الجنود ... كانت المواضع رطبة دبقة وقذرة ، ترتع فيها الحشرات والفئران ، والعقارب  ، بقايا صمون الجيش والقصعة ، لم يتسنى للجنود من تناولها بسبب هجوم الإيرانيين المباغت لهم ، بعض أسلحة الشهداء وبطانياتهم الملطخة بالدماء ، وحاجياتهم متناثرة في داخل وخارج تلك المواضع ... كانت الساعة تجاوزت الواحدة ليلا ، لما اخترت لي موضعا يتسع لخمسة مقاتلين ، وباشرت على الفور بتنظيفه بواسطة مجرفة صغيرة ، كانت مع  تجهيزاتي العسكرية ، وهي مخصصة لقوات المغاوير ، بدأت بترتيب أكياس التراب ، وإعادة ملئها جيدا على ضوء القمر ، وسد ثغرات الموضع لكي يقيني من الرصاص والشظايا المتطايرة ، ثم ناديت  المقاتلين الأربعة الذين برفقتي ، وقسمت بينهم الواجبات ، وهي كالأتي 1- أنور سعيد  ، وهو من تللعفر من الساعة الواحدة   حتى الثالثة ، وسليمان محمد سليمان  وهو من تللعفر أيضا من الثالثة حتى الرابعة ، وصادق جعفر وهو من البصرة من الرابعة حتى الخامسة صباحا ، وفاضل عبد زيد وهو من الديوانية من الخامسة وحتى السابعة صباحا ، على أن ننهض جميعا للقتال ، في حال  هجم العدو ، أو حصول أي طارئ ، فكل منا عليه أن يحمي نفسه والبقاء حيا  ... نظفت بندقيتــــــي ( صبيحة )  من الأوحال ، وفحصتها ، وتأكدت من إنها تعمل ، وفتحت يطغي ووضعت صف الرصاص والرمانات الأربعة التي  استلمتهما من مساعد آمر الفوج ، وضعتها  تحت رأسي ، إذ كان لدي بعض الوقت للاسترخاء بعد أن التهمت صموتتين جيش مع ثمرة بندورة كبيرة مع البصل ، كنت محتفظا بها كأرزاق طارئة للمعركة في كيس ضماد الميدان ، التهمت الطعام بشراهة ونهم ، إذ كان طعمها في تلك اللحظة  أشهى من لحم الغزال ، لا بل أشهى من كل الأطعمة .. وفي هذه الأثناء غفوت  من شدة الإعياء والتعب ، ولم أستيقظ إلا عند السابعة صباحا على صوت المقاتل رزاق نعمة ، وهو يتجول بين الخنادق ويصيـــح ( قصعة ... قصعة )  ، حيث كانت الشمس قابعة خلف نتف الغيوم المغبرة ... نظرت إلى المقاتلين الأربعة ، كانوا يغطون في نوم عميق ، ولست أعلم ، فيما لو كانوا التزموا بواجباتهم خلال   الليل أم لا ، ولكني ركلت سليمان بقدمي صارخا به كي ينهض ويأتي بالقصعة ، كونه هو المتخصص بجلب الطعام ، وغسلت وجهي بالماء الذي بزمزميتي الألمنيوم ، كي يملؤها بالشاي الساخن ، إلا انه ذهب ، ثم عاد بعد برهة ، بقليل من ماء العدس  الخفيف ، مع خمس  صمونات جيش يابسات ، واخبرني بان لا يوجد شاي ، وأعاد لي الزمزمية فارغة ...  
             مـــــرقــة هــــــواء ..!!

       غروبٌ قاتمٌ .. والظلام حلّ علينا سريعاً .. السماء مكفهرة ، ملبدة بغيوم سوداء داكنة .. المطر ينهمرُ بغزارة فوق الصفيح ألذي يغلفُ سقف غرفتنا وكأنه ينقر بأنامله عازفاً لحناً يشبه نقرَ العصافيرْ ... كنا ثلاثة رجال ، من أصل ِ واحدٌ وعشرينَ مقاتلاً ، تم تنسيبنا من قبل دوائرنا التي نعمل فيها موظفين ،عنوة ً ، لأداء واجب الجيش الشعبي (المقدس) ، هنا في هذه الوحدة العسكرية ( بطرية صواريخ ) دفاع جوي ..! ... ولأننا لسنا من القوات النظامية ، إذ تمَ عزلنا كالبُرص في هذه الغرفة المنفردة المنعزلة ، وألتي كانت فيما مضى مخزناً للسكراب والإطارات المستهلكة لعجلات الزيل العسكرية  وراجمات الصواريخ . كان البرد قارصاً ونحن وسط مساحة من الأرض ،صحراوية قاحلة ، واسعة ، غرب مدينة كركوك ، واليوم هو أول أيام عيد الفطرْ ... المقاتلون الثماني عشر الآخرون غادروا منذ الأمس متملصين من الواجب ، بطريقة وأخرى ، بالتنسيق مع آمر الوحدة إلى منازلهم ، وهم الآن يقضون فترة العيد بين أولادهم وزوجاتهم دافئين هانئين بما لذ ّوطاب من الأطعمــة الشهية  ... ، أما نحن الثلاثة ، فلا واسطة لدينا ولا معرفة مع أحد ولا جاه ولا مال ، ولا قابلية لنا على التملق .. ...  في الغرفة القذرة ، حمدنا الله بسبب وجود المصباح الكهربائي المتوهج ألذي أنعمنا به ، حيث كان ينير ما في الغرفة من محتوياتٍ رثـّـةٍ ، وكذلك لكي نميـّـز أنفسنا عن الكائنات الأخرى .... !, أرضية الغرفة الترابية ، يكسوها رمادٍ محترق وبقايا وقود .. وفيها خمسة أسرة حديدية محطمة ، وهي مثبتة على كتل ٍخرســــــــــــانية ( بلوكات) ، فرشنا عليها ما تيسر لنا من فرش ٍ وبطانيات ، وحين نضطجع فوقها ، لا تكف عن الإهتزاز والزعيق .. مجيد ماجد (مقاتل) من محافظة ذي قار ، كان ممددا على أحد الأسرة في زاوية الغرفة متدثرا ببطانيته العسكرية القميئة  حتى قمة رأسه .. بايز عز الدين (المقاتل الآخر) وهو من كركوك يقبع أمام الموقد (المدخنة) التي تتوسط الغرفة ، وهي عبارة عن وعاء حديدي مجوفْ مجبول بالطين الأحمر ، يتصل من الأعلى بأنبوب أو خرطوم طويل يخترق سقف الغرفة ... وكان بايز العجوز ( هكذا نسميه) يلقم المدخنة بأعواد الحطب الرطب وبعض الأوراق والنفايات ولا يكف عن النفخ ، لكي يبعث فيها الروح والدفأ ، وليعدّ لنا إبريقاً من الشاي للعشاء المرتقب ، والدخان الأسود المنبعث في أجواء الغرفة ، نستنشقه مكرهين ليستقر دافئاً في رئاتنا  ... حينما كان المطر يشتد وطأة ً بقطراته المتسارعة الثقيلة كانت بضعة غير قليلة من قطرات المطر تتسلل عبر الفتحات الكثيرة في صفيح سقف الغرفة ، فيبلل أسرتنا ، فنضطر إلى اللوذ والانتقال من زاوية إلى آخرى .. وحين تسقط تلك القطرات على أنبوب المدخنة الساخن تبدأ بالغليان والتبخر محدثة صوتاً أشبه ما يكون بصوت أزيز الرصاص .. باب غرفتنا معمول من صفيحة ، برميل قمامة مفتوح ، ومثبت إلى ألواح خشبية .. وفوقه يتدلى مصباحنا العزيز متوهجاً بكبرياء .. ينظر إلينا بعين ٍ فوقية حمراء شامتاً بنا ، كونه يمنحنا نوره مجاناً ، ونحن أيضاً نقدر له ذلك الفضل  والعرفان مذعنين .. على يسار الباب توجد صفيحة فارغة مقلوبة على رأسها نستخدمها لجلب الماء .. تناثرت فوقها بعض بذرات الطماطم الملطخة بالوحل ، وبذرتان من الباذنجان وبعض أصابع الفلفل الحار ، كنا قد جلبناها صباح ذلك اليوم من مزرعة مجاورة .. ومن أهم الأمور ألتي كنا نعتز بها في غرفتنا ( القصعة) المركونة في إحدى الزوايا ، حيث ماتزال بقايا الطعام عالقة بها منذ وجبة الغذاء ، كما وتوجد طاولة خشبية صغيرة عليها خمسة أقداح  شاي زجاجية متسخة ، وخمسة ملاعق صغيرة قذرة ... تقدم الليل وأصبح أكثر حلكة ، وما انفك المطر ينهمر بلا انقطاع ، رفع المتدثر، (مجيد) ، البطانية عنه وصاح بنا مذكراً بوجوب عدم نسيان وقت القصعة ، لئلا يفوتنا العشاء الموعود ، حيث كان الجوع ينهش بأنيابه بطوننا الخاوية ، فاليوم عيدٌ ونحن فرحين ، وفي انتظار عشاء دسم ،  لمناسبة العيد ، دجاج ، صمون حار .. وربما فاكهة .. إتفققنا نحن الثلاثة أن نقسّم الأعمال فيما بيننا ، كان نصيبي من العمل ، غسل القصعة والأقداح والملاعق ، كوني أصغرهم سناً ، وعلى مجيد ماجد  أن يرتب الغرفة ويعمر الموقد ويعمل الشاي .. أما بايز عز الدين ، العجوز فعليه أن يجلب القصعة ، كونه أكبرنا سناً ، ولسوف يحترمونه ويكرمونه بأكبر كمية من الدجاج والصمون الحار مع السوب طبعاً ..... ، وبعد قلق ٍ وطول انتظار، وصراع مع الجوع سمعنا صفارة رئيس عرفاء الوحدة ، وهي تؤذن بإستلام وجبة العشاء المرتقب .. ، فأنطلق بايزاً مسرعاً يتخبط بين مطبات الوحل مترجياً طريقه وسط الظلام والمطر قاصداً مطبخ المراتب .. ، لكن بايز تأخر كثيراً في رحلة العودة ونحن قلقين وفي الانتظار على أحر من الجمر  .. ولكن لا بأس .. لا بأس ، لا مانع لدينا من ذلك فعليه أن يسير ببطء حتى لا يتبدد الدجاج ، فالمسافة كبيرة بين غرفتنا المعزولة وبين مطبخ المراتب ، رغم ذلك قلقنا عليه وتمنينا أن يكون سبب التأخير خيراً ... بين مكابدات اليأس والأمل والانتظار ، فـُـتح باب الغرفة بركلة قوية من قدم بايز ، ليطل علينا ، وهو غاضب ، عابس الوجه ، يجر أذيال الخيبة والخذلان وثيابه مبللة بالمطر والأوحال  ، ليخبرنا وهو يستشيط غضباً بأنه تشاجر مع ضابط الإعاشة المسؤول كون العشاء لهذا اليوم ما هو إلاّ ( مرقة هــواء ) مع الصمون اليابس ..! . انتابتنا موجة عارمة من الغضب ، ولكن بعد قليل هدءنا وتذكرنا إنه لا داعي للغضب ..، فتلك هي سياقات الجيش العراقي ... وكما هو  
الحال دائماً .....  

                                   كركوك \ 1996                








ذكريات في زمن الحرب

وحيد في جبهة القتال ....
   
الاثنين \ 6\6\1988 .. شرق البصرة موقع جمع الخسائر
       
بحــــــــيرة الأســـــــــماك
لوحدي أنا هنا .. في هذا المكان المقفر الموحش .. في موقع جمع الخسائر .. ، أي (الخسائر من الجرحى والشهداء الذين يسقطون في الحرب ) في هذا الملجأ المحصن المحفور تحت الأرض .. ، بعد أن ذهب رفاقي الجنود الثلاثة لجلب الطعام ، وزيارة ذويهم في محافظة البصرة ... لأول مرة أشعر بأني بحاجة إلى إجازة ، لكي أسافر إلى مدينتــــــي ( نينوى ) البعيدة في الشمال ... ثمة يأس وملل ينخران جسدي المنهك ، وشوقٌ عارمٌ وحزنٌ يتعمقني للقاء محبوبتي  التي باتت تشغل تفكيري على الدوام ..
لا شيء يحيط بي هنا ، غير صحراء مترامية الأطراف ، تتخللها سواتر ترابية على مدّ البصر ، كأمواج البحر ، وهي معفـّرة برائحة البارود والشعواط  والاحتراق ، وشظايا من حديد متناثرة في كل مكان ، من انفلاق مئات القنابل .. ، دائما تخرّش أذناي   موسيقى صاخبة ..، من أصوات المدافع وراجمات الصواريخ وأزيز الرصاص ، في قيض النهارات ، وظلام الليالي الحالكة والمقمرة والمضاءة بقنابر التنوير ، وقنابر المدفعية الثقيلة ...
بحيرة الأسماك القذرة ممددة أمامي على مد البصر ، وثمة دبابات وعجلات الايفا العسكرية محترقة ، مغمورة بالمياه ، من بقايا خسائرنا في معارك سابقة ، طاحنة وخاسرة ، جاثمة بانكسار منذ سنوات الحرب والجمر والاحتراق ، بتآكلها الصدأ  .. بين آونة وأخرى ، تهوي قذيفة هاون 106 ملم ، أو مدفع ثقيل ، فتمزق سكون البحيرة ، لتطفو على السطح عشرات الأسماك والهوام والأوحال ... لا سلوى لي ،  ولا أنيس غير التأمل واستحضار الذكريات السعيدة ، واللحظات الشاعرية  الدافئة والعميقة التي عشتها مع مَن أحببتهن خلال حياتي المدنية ، عندما كنت طالبا في الجامعة ، قبل سوقي إلى الخدمة العسكرية  ، وزجّي في أتون هذه الحرب الطاحنة  ، التي لا ناقة لي فيها ولا جمل ..، والغير  مبررة أصلا ، والتي لا يبدو لها نهاية في المنظور القريب ،  لا استطيع تغيير شيء من هذا القدر ، غير التأمل وكتابة مذكراتي من تحت الأرض ، ومن هذا الملجأ الكئيب القذر ، الذي لا يسكنه إلا أنا والذباب والعقارب السامة .. أني أتضّور ألما وشوقا في انتظار موعد إجازتي الدورية ، ( طبعا ، لو كتب لي البقاء حيا) ، ليمنحونني سبعة أيام فقط  ، أقضي  منها يومان في الطريق ذهابا وإيابا ، ليبقى منها خمسة أيام ، سرعان ما تنقضي ، لأعود أدراجي إلى هنا مكبلاً بآلامي وأحزاني ، ولأبدأ من جديد ممارسة طقوس العذاب ، والتوجس والترقب والانتظار الممل ، ولرُبما أقتلُ أنُاسا ً طيبون أبرياء مثلي ، أو يقتلني إنساناً يسمى عدواً ، في الحقيقة هو أخ لي في الإنسانية ، لا أعرفه قط ، ولا عداوة شخصية بيني وبينه ، ولكنه هو مجبر على قتلي ، وأنا مجبرٌ على قتله ..،  ولأنها الحرب ، تدور رحاها بين بلدي وبلد جار لنا منذ ثماني سنوات ، بسبب عداء شخصي بين رجلين ، يتحكـّمان بمصير شعبين ، بل بمصير ومقدرات دولتين جارتين ، وملايين الناس المغلوب على أمرهم .. أصدقاءٌ وأشقاءٌ وأقرباءٌ لنا ، كانوا يعيشون معنا وبيننا في هذه الدنيا ، ولكنهم رحلوا ، أو اختفوا فجأة ، أو أصيبوا وتعوّقوا في وليمة الموت ( الحرب العراقية الإيرانية ) ،          ( فالحرب وليمة الموت ) كما يُقال ، ولم نعد نراهم أو نعرف أخبارا عنهم إلى الأبد ..
كان هذا اليوم يوماً صاخبا ً كثيرا.. ، طوال النهار كان القصف المدفعي مكثفا من قبل العدو الإيراني ، بالكاد استطعت الخروج من الملجأ لقضاء حاجة ، كل ما لدي من ماء وطعام نَفَذ وأرزاق المعركة  ، حتى صمون الجيش المتحجر .. ، ولم يبق لدي غير قليل من الماء الساخن في زمزميتي ... ، وأنا قابع ٌداخل هذا الملجأ ، بجوار فتحة  الباب الصغيرة ، أترقب قدوم زملائي الجنود الثلاثة الذين تركوني قبل أربعة أيام ، متأملا أن يأتوني بالطعام والخبز الحار والتمر  وحلاوة نهر خوز ، كما وعدوني قبل أن آذن لهم بالنزول ، ما زلتُ أطالع صحيفة قديمة ، عاودت قراءتها مرات ومرات عديدة ، كانت الريح تعصف خلال فترة الظهيرة ، محدثة أنينا أشبه بالبكاء ، حين تتوغل عبر فتحات الملجأ ، وبوابته المفتوحة إلى الغرب ، تلافيا لشظايا انفلاق القنابل التي تأتي من جهة الشرق ... عندما تهوي قذيفة مدفع ثقيل بالقرب من الملجأ ترتج الأرض كلها بقوة ، وتأتيني  مع العصف أكوام من التراب فتصفع وجهي بقوة  ، فترتفع سحابة من الذباب الجاثم على طاولة الطعام القذرة التي تتوسط الملجأ ، ثم تهبط بهدوء ..  أنا هنا كغيري من المئات .. لا بل الآلاف من الجنود والضباط الذين يملأ ون جبهات القتال ، نواجه مصيرا مجهولا .. نحن لا قيمة لنا بين الناس المدنيين في المدن .. منبوذون نحن ، عندما نتجول بملابسنا العسكرية الرثة ، وهي ملابس عزة وشرف ، ولكن كثير من الناس ينظرون إلينا نظرة ازدراء واحتقار ، لأنهم ملوّا هذه الحرب  الطاحنة التي طالت لثماني سنوات بلا نتيجة تذكر .. لا حقيقة لما  تروّجه  وسائل الإعلام وتطبـّل وتزمـّر ، من إننا صناديد وأبطال القرن العشرين .. فنحن أيضا نريد خلاصاً من هذه الحرب التي لا تبقي ولا تذر غير الموت والدمار ، ولا أمل ولا بصيص نور يلوح في الأفق ..
لم أذق طعم النوم منذ أن غادرني رفاقي قبل  أكثر من ثلاثة أيام  ، والذين لا أعرف عن مصيرهم  شيئا ... ، ربما قضوا بالقصف المدفعي ، أو وقعوا في الأسر، في قبضة الإيرانيين ، أو جرحوا ، أو القي القبض عليهم بسبب هروبهم  من الجبهة ، لا علم لي .. الآن ..  ،  قضمت آخر ما تبقى عندي من صمون الجيش المتحجّر ، ما ألذ طعمه  مع الماء الساخن ، أو الشاي ..! لم يبق عندي  ماء غير ما  موجود في هذا الجلكان الصدأ ..
من قيض النهار الحارق ووحشة الليل الحالك ، لا أحضي من حياتي وعنفوان شبابي غير الهواجس ، والتوجس والقلق ، وفحيح الأفاعي الصحراوية ، والحرمس ينهش جثتي بشراهة ، فلا استطيع النوم في الليل داخل الملجأ ، خوفا من الأفاعي والعقارب السامة ، والظلام الدامس ، كذلك لا أستطيع النوم خارجه ، بسبب القصف المدفعي ، وانفلاق الشظايا ، وكذلك خوفا من الكلاب المفترسة التي باتت تستلذ لحم البشر ، بسبب الجوع ، فها أنا أراقبها ، وهي  تحفر في الأرض ، وتُخرِج جثث القتلى  المدفونة هنا منذ معارك سابقة ، في القرب من ملجأي ، فتنهشها ، وتقتات عليها بشراهة  ... وهكذا هو الحال ... ، وتمضي أجمل أيام العمر والشباب ..  وهذي طلائع فجر اليوم الخامس ، ولم يأتني  أحد من الزملاء ، لا من  الأنس ولا من الجن .. ولا  خلاص لي من محنتي ، ولا حياة بمن أنادي ...          

الفهرس
4 هدوء العاصفة
10 الواجب الطارئ
12 قلب من حجر
19 حلـــم بعيـــد المنــال
22 الترمز
29 الفسُحـة
47 الهاجس
54 معركة الحصاد الأكبر  
60 مـــــرقــة هــــــواء
66 وحيد في جبهة القتال
74 الرهان الخاسر
77 مذكرات رجل ٌميت
88 غفلة
91 ما بعد اليوم العظيم
100 لماذا أنظر إلى الدنيا بعيني أنا
105 رجل في ذاكرتي
109 معركة الحواسم 2003

                                       

 المؤلف في سطور
 جميل فرنسيس زورا



مواليد البصرة 1962
دبلوم معهد الصحة العالي / بكالوريوس تخدير
عضو اتحاد الأدباء والكتاب السريان في العراق
عضو نقابة صحفيي كوردستان
مدير تحرير جريدة طريق السلام
صدر له ( الغروب يشبه الفجر ) شعر 2011
صدر له ( قبل أن ترحلي ) شعر  2012
مساهم ومشارك في مهرجانات الشعر العربي والسرياني ، التي أقامها ويقيمها اتحاد الأدباء والكتاب السريان في العراق ، كمهرجان برديصان الثقافي  ونوهدرا في دهوك ، وغيرها من الفعاليات
لديه مساهمات في الاحتفالات والأمسيات الشعرية في القوش وتللسقف وكرمليس وبغديدا .
كاتب ولديه العديد من المقالات منشورة في الصحف ومواقع الانترنيت ....
تحياتي للجميع المتابعين اخوكم ناظم هرمز كورو
avatar
ناظم هرمز كورو

عدد الرسائل : 156
الموقع : لبنان - بيروت u k m k
تاريخ التسجيل : 03/06/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى